ابن كثير

44

السيرة النبوية

وتمحيص ، أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة ، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدث بالحجارة حتى وقع لشقه ، فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته ، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص . فحدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك قال : كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجهه ، فجعل يمسح الدم ويقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله . فأنزل الله : " ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون " . قال ابن جرير في تاريخه : حدثنا محمد بن الحسين ، حدثنا أحمد بن الفضل ، حدثنا أسباط ، عن السدى ، قال أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله ، وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق طائفة فوق الجبل إلى الصخرة ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس : إلى عباد الله ، إلى عباد الله . فاجتمع إليه ثلاثون رجلا ، فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف ، فحماه طلحة فرمى بسهم في يده فيبست يده ، وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : بل أنا أقتله . فقال : يا كذاب أين تفر ، فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه ، وقالوا : ليس بك جراحة فما يجزعك ؟ قال : أليس قال : لأقتلنك ! لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم . فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح . وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فقال بعض أصحاب الصخرة : ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان ، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم .